المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أحزان كربلاء في قلب الإمام علي الرضا (ع)



نُون
16-03-2006, 07:05 PM
أحزان كربلاء

لاح هلال المحرّم في سماء شاحبة ذلك الغروب فبدا ابتسامة حزينة، أو قارباً يكاد يغيب في الأفق الغارق بلون رمادي كثيف.
وكان منزل الإمام غارقاً في حزن عميق، لَكأن تلك الروح التي تسكنه تلقي ظلالها على كل شيء، حتى الخدم كانوا يؤدون أعمالم وقد غادرتهم الحيويّة..
لمحرّم ذكرياته الحزينة يأتي بها كل عام.. اعتصم الرجل الاسمر، وقد بدا غارقاً في مشاهد كربلائية..
ودخل عليه رجل؛ فسأله الإمام:
ـ يا بن شَبيب ، أصائم أنت ؟
ـ لا.
ـ في مثل هذا اليوم دعا زكريا ربّه فقال: هَبْ لي يا إلهي من لدنك ذرية طيبة، انك سميع الدعاء، فاستجاب الله له، وبشّرته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب... فمَن صام هذا اليوم ثمّ دعا الله استجاب له..
واطلق الإمام آهة حَرّى واستأنف حديثه:
ـ يا بن شبيب! إن أهل الجاهلية كانوا يحرّمون فيه الظلم والقتال لِحُرمته.. ولكنّ هذه الأمّة لم تعرف حرمة شهرها ولا حرمة نبيها... لقد قتلوا في هذا الشهر ذرّيته، وسَبَوا نساءه..
وماجت الدموع في عينيه وتهدّج صوته:
ـ يا بن شبيب! إن بكيتَ لشيء فابكِ الحسين، فلقد بكت من أجله السماوات والأرض.
وساد صمت. لَكأنهما يصغيان إلى دويّ الصهيل على شاطئ الفرات بكربلاء. وغمغم الإمام كأنه يحدّث نفسه:
ـ لقد أسهر أمر الحسين جفوننا وأسبل دموعنا، وأذلّ عزيزنا... يا أرض كربلاء أورثتِنا الكرب والبلاء...
كان أبي إذا دخل شهر محرم لا يُرى ضاحكاً وكانت الكارثة.. حتى تمضي عشرة أيّام، فإذا كان اليوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه .


في مثل هذا اليوم أُضرمت النار في مضاربنا، ونُهبت أموالنا، ولم تُرْعَ لرسول الله حرمة».
وتذكر الريّان مهمة كاد ينساها، فراح ينشد بصوت أشبه بالهمس:

رأس ابن بنت محمّد ووصيّهِ
يا لَلرجالِ على قناة يُرفعُ
والمسلمون بمنظرٍ وبمسمَعٍ
لا جازعٌ من ذا ولا متخشّعُ
أيقظتَ أجفاناً وكنتَ لها كَرىً
وأنَمْتَ عيناً لم تكن بك تَهجعُ
ما روضةٌ إلاّ تمنّت أنها
لكَ مضجعٌ ولخطِّ قبرك موضعُ
ـ هذا الشعر لدِعْبِل الخُزاعي
ـ أجل يا سيّدي.. وهو في «مَرْو»... وقد جاء لِلقائك، وينتظر الإذن!
ـ ليكن اللقاء بعد صلاة العصر.. فهناك من يَوَدّ رؤيته غيري.


* * *

ويدخل شاعر أهل البيت.. شاعر الكلمة المقاتلة.. الكلمة الثائرة.. المشرّد منذ ربع قرن.. المحكوم بالاعدام..
قال دعبل وعيناه تفيضان حُبّاً:
ـ يا سيّدي، قد نظمت أبياتاً من الشعر وأحب أن تسمعها فما قرأتها على أحدٍ أبداً!
وراح دِعبِل ينشر منديلاً فيه كلماتٌ شاعرة.. ثائرة.. ولم يكن ذلك معروفاً أن يُكتب على منديل أبيض يشبه رداء الإحرام والحج! من أجل هذا قال دعبل ليبدّد علامات استفهام نَدَّت من بعض العيون:
ـ إنما فعلت ذلك لتكون في ثيابي إذا حان موعد السفر... سفر الآخرة .
وبدأ دعبل تائيته التي قُدّر لها الخلود:

تجاوَبنَ بالأرنان والزفَراتِ
نوائحُ عُجْم اللفظ والنطقاتِ
يُخبّرن بالأنفاس عن سرِّ أنفُسٍ
أسارى هوىً ماضٍ وآخرَآتِ
وتنساب المعاني الرقيقة من قلب انسان أمضى حياته مشرّداً بعيداً عن ربوع وطنه ودياره.
فهو يهدي تحياته للربوع التي تركها خضراء حالمة، تخطر فيها فتيات يرين جمالهن في الستر والعفة..
ما تزال تلك المشاهد تتألق في ذاكرته كلّما وقف في سفوح عرفات... ولكن الأيّام تدور ويدور معها الزمان، ويبدأ زمن الشتات والفراق.. فراق الاحبة.

ومن دول المستهترين ومن غدا
بهم طالباً للنور في الظلماتِ
ولم يبق من أمل في الحياة إلاّ حب آل النبيّ صلّى الله عليه وآله، هؤلاء الذين يمثلون جوهر الإسلام وروحه.
ولكن أبناء هند الذين اغتصبوا الحق حوّلوا الحياة إلى جحيم لا يطاق.. وبدأت المآسي:

رزايا أرَتْنا خضرةَ الافق حمُرةً
وردّت أُجاجاً طعمَ كلّ فراتِ
وأصبح الأفق الأزرق دامياً، والفرات العذب يتحول إلى ملح. ولم تأتِ المآسي إلاّ من تلك اللخطة.. من «السقيفة» التي أدّت إلى البيعة «الفلتة»!

وما سهّلتْ تلك المذاهبَ فيهمُ
على الناس إلاّ بيعةُ الفَلَتاتِ
من ذلك المكان والزمان بدأ الانحراف عندما أُقصي الوصيّ، فأدى ذلك إلى استيلاء أعداء آل البيت والإسلام على البلاد والعباد.
لم تبق في مكّة والمدينة سوى أطلال تلك الديار المقدسة، حيث كان جبريل يهبط بآيات السماء... لقد أقفرت تلك الديار من ساكنيها وأضحت خالية..

مدارسُ آياتٍ خَلَت من تلاوةٍ
ومنزلُ وحيٍ مقفر العَرَصاتِ
ديارُ عليّ والحسين وجعفرٍ
وحمزةَ والسجادِ ذي الثّفناتِ
منازلُ كانت للصلاة وللتقى
وللصوم والتطهير والحسناتِ
منازلُ جبريل الأمين يَحِلّها
من الله بالتسليم والرحماتِ
ديارٌ عفاها جورُ كلّ مُنابذٍ
ولم تَعْفَ للأيّام والسنواتِ
فيا وارِثي علمِ النبيّ وآلَهُ
عليكم سلام دائم النفحاتِ
قفا يا صاحبيَّ نسأل الدار التي رحل أهلها إلى أين ذهبوا ؟ وأين تشتتوا ؟ في الآفاق البعيدة المجهولة.. و... وتوقف الشاعر عن الإنشاد! لقد هوى الرضا مغشياً عليه، لم يتحمّل قلبه الكبير ملحمة الكلمات عندما تكون خلاصة للدماء والدموع والأحزان... وأفاق ليقول بصوت فيه حزن الميازيب في المطر:
إقرأ يا خزاعي:

وأين الأُلى شطَّت بهم غربةُ النَّوى
أفانينَ في الآفاق مفترقاتِ؟!
قفا نسأل الدار التي خَفّ أهلُها
متى عهدها بالصوم والصلواتِ؟!
لقد غدر بهم الزمان، وارتدى الحاقدون قناع النفاق ليثأروا من بطل «بدر» و «أحد» و «حُنين».

سقى الله قبرأً بالمدينة غيثَهُ [
color=black]فقد حلّ فيه الأمن وبالبركات [/color]
نبيّ الهدى صلّى عليه مَليكُهُ
وبلّغ عنه روحه التُّحَفاتِ
وتهدّج صوت الشاعر وهو يقول:

أفاطم لو خلت الحسين مجدّلاً
وقد مات عطشاناً بشط فرات
إذن للطمتِ الخدَّ فاطم عنده
وأجريت دمع العين في الوجنات
أفاطم قومي يابنة الخير واندبي
نجوم سماوات بارض فلاة
انهضي يا فاطمة من قبرك المجهول لتندبي ابناءك الشهداء في «الكوفة» و «طَيْبة» و «فَخّ» وفي أرض الجَوزَجان وفي «باخَمْرى» و «بغداد».

وقبر ببغدادٍ لنفس زكيةٍ
تضمنّها الرحمنُ في الغرفاتِ
وهنا قال: الرضا:
ـ أتحبّ أن أُلحِقَ بيتاً في هذا الموضع من قصيدتك ؟
ـ بلى يا بن رسول الله!

وقبر بطوس، يالها من مصيبةٍ
ألحَّتْ على الاحشاء بالزفراتِ
وارتسمت علامات استفهام ودهشة، وتساءل الشاعر بذهول:
ـ قبر مَن يا سيّدي ؟!!
ـ إنه قبري يا دِعبل !
واستأنف الشاعر قصيدته:

فياعينُ ابكيهم وجودي بعبَرةٍ
فقد آن للتَّسكاب والهَمَلاتِ
لقد حفّت الأيّام حولي بشرِّها
وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي
ها أنا اعيش مشرّداً خائفاً في المدن والقرى وليس أمل في الحياة الآمنة إلاّ في عالم آخر عالم ألجِهُ بعد وفاتي.. إنّ مستقبل الانسان الحقيقي هناك في ذلك العالم الذي يزخر بالطمأنينة والسلام...
منذ ثلاثين سنة وأنا اعيش الألم والحسرة، أرى هؤلاء الثلّة من البشر ـ وهم نجوم الأرض ـ مقهورين مشرّدين قد أذاب أجسادهم الجوع والحرمان..

سأبكيهم ما ذرّ في الأرض شارقٌ
ونادى منادي الخير بالصلواتِ
وما طلعت شمس وحان غروبها
وبالليل أبكيهم وبالغدواتِ
ومع كل هذا الظلم الذي يُنزله الحاقدون بهم، مع كل هذا القهر إلاّ أن ذلك لم يغيّر من انسانيتهم.. لقد ظلّوا كما هم كرماً وسماحة.

إذا وُتِروا مَدّوا إلى واتريهمُ
أكُفّاً عن الأوتار منقبضاتِ
وقلّب الإمام كفيّه كمن يكّف نفسه عن المقابلة بالمثل وتمتم بحزن:
ـ أجل والله منقبضات!

فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غدٍ
تَقطّع نفسي إثْرَهُم حَسَراتِ
خروج إمام لا محالة خارج
يقوم على اسم الله والبركاتِ
وهتف الإمام:
ـ يا خُزاعي، لقد نطق روح القدس على لسانك.

يميّز فينا كل حق وباطلٍ
ويجزي على النعماء والنقماتِ
فيا نفسُ طيبي ثمّ يا نفس ابشري
فغير بعيدٍ كلُّ ما هو آتِ
سيأتي ذلك اليوم المنشود وتعود راية العدالة ترفرف من جديد.. إن ايماني لا يتزعزع.. بالرغم من كل ما أعانية اليوم:

أحاول نقل الشمس عن مستقرّها
وأسمع احجاراً من الصلواتِ
كأنك بالأضلاع قد ضاق رحبُها
لِما ضمنت من شدّة الزفراتِ


ونهض الإمام ليعانق الشاعر المشرّد الخائف الذي أمضى ثلاثين سنة خائفاً يترقب:
ـ آمنك الله يا خزاعي يوم الفزع الأكبر.
ما تزال الدموع.. دموع الحزن من أجل الذين قُتلوا ظلماً وعدواناً ودموع الحزن من الذين ما يزالون مقهورين... وغادر الشاعر مستأذناً بعد أن غسل قلبه المترع بالأسى بالدموع. وقبل أن يضع قدمه خارج المنزل فوجئ بياسر يقدّم إليه صرّة:
ـ ما هذا ؟؟
ـ عشرة آلاف درهم هِبة من سيّدي.
ـ لا والله ما أردتُ هذا، ولا خرجت له.. إنما جئت للتشرف به والنظر إلى وجهه.. ولكنْ اطلب منه أن يهب لي ثوباً من ثيابه.
وقف الشاعر ينتظر وعاد الخادم أدراجه إلى الإمام الذي خلع جبّة خزّ وقال:
ـ خذها إليه وأعِدْ إليه الدراهم وقل له: خذها فانك ستحتاج اليها..
وعاد الخادم يحمل إليه هديته...
وضمّ الشاعر الجبّة إلى وجهه، يملأ صدره من عبير النبوّات.. وعندما فتح الصرّة وجد فيها عشرة آلاف درهم مما سُكّ باسم الإمام الرضا.. فكان الشاعر المشرّد أول من حصل على النقد الجديد.

الفرقان
16-03-2006, 11:59 PM
فياعينُ ابكيهم وجودي بعبَرةٍ
فقد آن للتَّسكاب والهَمَلاتِ
لقد حفّت الأيّام حولي بشرِّها
وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي

.

.

يـالـها من مصائبٌ صُبتْ على بيت النبوة..

تفجع القلوب.. تسبل الدموع .. ويكتوي الفؤاد حرقة..

متى تعجل الفرج سيدي أبا مهدي..؟

أحرقوا قلبكَ.. أفجعوا خطبكَ بـفعلتهم في آباءكَ..!



[ أميرة الظلام ]

سكبتِ الحروف من محبرة الحزن الدامي على مصاب إمامي..

رزقكِ الله بعدد الحروف ما تتمنينه من خير الدنيا والآخرة..

ورزقكِ زيارة غريب طوس.. وشفاعته في الآخرة..

لكِ الدعاء غاليتي..!

غدير الولاية
25-03-2006, 01:13 PM
و اي امام لم ينفطر قلبه على مصاب كربلاء
ما اعظمها من مصيبة
مصيبة لم تكن و لا كانت قبلها او بعدها مصيبة تماثلها
لعن الله ظالميهم من الاولين و لاخرين
سددت خطاك أميرتي العزيزة
حماك الرحمن