الفرات
06-09-2003, 12:31 AM
استيقظ أحمد مبكراً هذا الصباح فاليوم غير عادي بالنسبة إليه ،لأنه سوف يسافر إلى العراق حيث كربلاء والنجف ومراقد الأئمة الأطهار من أهل البيت( عليهم السلام) ،كلفه أبوه بأن يقوم بفحص السيارة التي سيسافرون بها في ورشة أحد أصدقائه ،بعد تناوله وجبة خفيفة من طعام الإفطار ،أدار محرك سيارة السوبر الجديدة وعرج بها إلى الورشة، كان في انتظاره أبيه سلمان صاحب الورشة .
-أهلاً بالابن أحمد.
-صباح الخير يا عمي .
-صباح النور ،لابد أن أباك يغط في نوم عميق .
-بالطبع لأنه هو الذي سوف يقود السيارة من عتبة الدار إلى بوابة مشهد الحسين (عليه السلام)،لذلك أرجو منك أن تقوم بالفحص اللازم للسيارة.
-لا تقلق يا بني في الساعة الحادية عشرة ستكون السيارة جاهزة.
أودع أحمد السيارة في الورشة وتوجه نحو السوق واشترى مجموعة من المستلزمات كانت والدته قد أوصته بها ،وقبل حلول الموعد بدقائق معدودة كان يقف على بوابة الورشة.
-هاك يا ولدي سيارتكم جاهزة تماماً للرحلة .
-هل أنت متأكد أن كل شي في السيارة على ما يرام؟.
- إن شاء الله ولكن إذا لم تدع لي عند الحسين ستتعطل.
-لا تقلق لن أنساك.
في الظهر كانت العائلة تستعد للرحيل ،دخل أبو أحمد على بناته فوجدهن يتأهبن للسفر ،سألهن أين أخوكم صادق؟
في الخارج لابد أنه يلهو بالكرة.
فتوجه إلى الحديقة فوجد ابنه صادق البالغ من العمر 4أعوام يحاول تسلق إحدى الأشجار،فحمله برفق وصادق يصرخ ويقول:
-دعني يا والدي أتسلق هذه الشجرة .
-ستسقط يا بني.
-صدقني أبي لن اسقط.
لكن أبا احمد لا يستجيب لطلب ابنه الصغير ويحمله لداخل البيت ويأمر أحمد بمراقبته،فصادق ولد شقي يحب اللعب كثيراً .
يتوافد الزوار والأهل والجيران والأقارب للتوديع وتقليد الدعاء والزيارة،في العصر ينطلق أبو أحمد بعائلته إلى العراق ،الطقس ما يزال معتدل الحرارة ،فموسم الرطوبة لم يأتي بعد .
بعد انقضاء 4ساعات محدودة وصلو إلى نقطة حدود الخفجي وبعد انتهائهم من إجراءات الخروج دخلوا إلى دولة الكويت ولم يمض وقت قليل حتى كانوا عند نقطة جمرك العراق ،وصلوها ويا لهول المفاجأة.عشرات السيارات والشاحنات ، والحافلات الصغيرة المتوسطة والكبيرة ...
-انظر يا أبي إن عددها كبير جداً .
-لن ننتهي إلا بعد فترة طويلة ،يبدو أننا سنبقى هنا طوال الليل على الأقل .
ثم أوقف السيارة ،واصطف مع الجموع لختم الجوازات بينما افترشت أم احمد الأرض وجلست مع بناتها ،أما صادق اخرج له الكرة وأخذ يلهو بها وكلما تعيده أمه ليجلس مع أخوته يعود مرة أخرى،فاضطرت لتركه وشأنه على أن يكون تحت ناظريها،أما أحمد فكان مع والده لمساعدته في إنهاء إجراءات الدخول .
مرة عدة ساعات فغلب على الأم والبنات النعاس .
فاغتنم صادق الفرصة ،وذهب بعيداً فوجد مجموعة من الأطفال فلهى معهم بالكرة ،بالقرب من ساحة لعبهم جلس أحد سائقي الحافلات المتوسطة الحجم ينتظر وصول الجوازات ،ويبدوا عليه التوتر فقد طال انتظاره ومضى على مكوثه في الجمرك أكثر من سبع ساعات ،واثناء ما كان الأطفال يلعبون رمى أحدهم الكرة بجانب الإطار الخلفي للحافلة ،أثناء ذلك استعد الركاب للانطلاق بعد وصول الجوازات ،صادق لم يستطع رؤية الكرة تحت إطار الحافلة فوضع رجله اليمنى في محاولة منه لأخراجها ، وما إن هم لالتقاطها حتى تحركت الحافلة وداست فوق رجله فصرخ صراخاً مدوياً وبكى بكاءً رهيباً لانظير له ، تنبه السائق فتوقف على الفور ،وتجمع الناس من كل حدب وصوب ،وجاء مسؤلو الأمن واعتقلو السائق،أما صادق فنقلوه إلى عيادة الجمرك.
في هذه الأثناء انتهى أبو أحمد من ختم الجوازات فطلب من ولده أحمد الذهاب لأخبار أمه وأخواته ،ذهب إليهم فوجدهن غارقات في النوم ، فأيقضهن وما أن استيقظت الأم حتى نادت على صادق ،سألها أحمد عنه ،فقال له إنه كان يلعب الكرة بالقرب من السيارة ،فراح يبحث عنه في الأماكن القريبة ،لاحقه أحد رجال الأمن ،سأله عن مقصده ،فأخبره فقال له :لابد انك الأخ الأكبر للطفل المصاب.
-ماذا تقصد؟؟
-قبل حوالي نصف ساعة وقع حادث لطفل في حوالي الخامسة من عمره.
-ما الذي حدث له
-كسرت ساقه من جراء تعرضها لإطار أحد الحافلات .
-يا إلهـــي وأين هو الآن؟؟
-انه في العيادة العامة.
-هل من الممكن أن تبقى هنا لدقائق ريثما اخبر والدي.
-بكل سرور على أن تستعجله.
توجه أحمد بسرعة إلى أهله واخبرهم فناحت الأم ،وبكت الأخوات ،بينما ذهب مع والده إلى رجل الأمن الذي استوقفه فرشده إلى موقع العيادة ،فدخلها على الفور ووجد ابنه يئن من شدة الألم ،شاهد الطفل أباه فناداه،أخذه الوالد في حضنه
-أبي...أبي.
-فداك أبوك يا بني لاتخف إصابتك بسيطة .
-ولكن رجلي تؤلمني يا أبي.
-لاتخف ستكون بخير.
ثم دخل الطبيب المعالج ،وأخبر أبا أحمد أن وضع أبنه خطير جداً وعليه الذهاب إلى أقرب مستشفى ،سأله أبو أحمد عن إمكانية علاجه في الجمرك،فـجابه أن العيادة إمكانياتها متواضعة وأن عليه الذهاب لمستشفى البصرة لأنه لأقرب مستشفى من الجمرك، فعزم على الذهاب من توه وساعته إلى البصرة ، وهم بالخروج واستوقفه الضابط المسئول .
-سيدي ماذا عن السائق الذي تسبب في إصابة ابنك؟
-اطرق أبو احمد برأسه قليلاً ثم قال :سأعفو عنه .
-حسناً فعلت يا سيدي،خاصةً وأن السائق من خلال التحقيق معه غير مسئؤل عما حدث فولدك وضع رجله خلف الحافلة ومن المتعذر عليه رؤيته.
طلب الوالد من ولده أحمد حمل صادق إلى السيارة ،ريثما يعود،ثم ذهب إلى مركز شرطة الجمرك ووقع بالتنازل عن السائق ،خرج السائق وهو يبكي ويدعو للولد بالشفاء،ركب أبو أحمد السيارة وأم أحمد تبكي وتئن فطلب منها الهدوء لكي يستطيع القيادة ،فقالت له:إن ولدي يذبل بسرعة ماذا أنت فاعل
-أني أوكلت أمره لمن جئنا لزيارتهم.
قاد أبو أحمد السيارة بأقصى سرعة ممكنة وولده يتمتم ويبكي بحرقة وألم ،والأخوات يبكين ،أما أحمد فأخرج كتاب أدعية كان قد أحضره معه وأخذ يقرأ بعض أدعية الشفاء ،وفجأة صاحت الأم بأعلى صوتها : لقـــــــد مـــات صــــــادق، لقـــــــد مـــات صــــــادق،أوقف أبو أحمد السيارة وتفحص ابنه ليجده بلا حراك ،يزداد بكاء وصراخ الأم وبناتها ،يبعده عنهن والدموع تنهمر من عينيه ،يطلب من ولده أحمد المساعدة،يغطي الطفل بأحد الخرق ويضعه في خلفية السيارة ويجعل ما بينه وبين أهله حجاب ،ثم يحتضن عائلته ويحاول تهدئتهم ،ثم يستمر في القيادة وهو يبكي وقد عزم على مواصلة المسير إلى كربلاء وعدم التوقف في البصرة.
أبو أحمد يقود السيارة بصمت مطبق وعيناه مغرورقتان بالدموع،الأم وبناتها لم يهدأ أنينهن ،أما أحمد فرغم المصاب فضل أن يقرأ بضع آيات من القرآن ،وبينما الطفل مسجى في الخلف بلا حراك وأهله يبكون فأذا به يفتح عينيه ويرى الباب يفتح وتدخل عليه امراءة متوشحة بالسواد وتفوح منها رائحة عطرة ،تضع كلتا يديها على رجليه فيسكن أنينه ولا يعد يحس بالألم ،ثم تمرر يديها الطاهرتين على سائر جسده وتحتضنه .
يسألها :هل أنت أمــــي؟
-نعم يابني أنا أمك هل تشعر بالألم؟.
-كلا يا أمي لقد شفيت تماماً.
وتبقى المرأة معه،؟أما العائلة فظلت على حالها من بكاء ونحيب وأبو أحمد يحاول تهدئتها.
-لم يبقى على كربلاء سوى كيلو مترات معدودة،أرجوكن اهدءوا.
ولكن لا استجابة ....فالبكاء متواصل يصلو أخيراً إلى كربلاء ،يسأل أبو أحمد عن أقرب مستشفى أخبروه عن مستشفى قريب من الحرم ،يتوجه أليه ويوقف سيارته بالقرب منه ويراجع قسم الإسعاف ،يهرع رجال الإسعاف إلى السيارة بأجهزتهم ،يفتح لهم أبو أحمد الباب ،تبكي الأم بشدة وكذلك بقية العائلة ،تحاول زوجته منعه من فتح الباب ،فيخرجها من السيارة ويطلب من أحمد الإمساك بها ،يعود للسيارة ويفتح الباب ف‘ذا بالطفل يخرج منها صحيحاً معافى ،لم يصدق أبو أحمد ما يراه ،وكذلك بقية الحاضرين ،الأم عندما رأت ذلك انتابتها حالة هستيرية ولكنها استطاعت السيطرة علها ذاتياً ،وسارعت إلى احتضان طفلها ،يسأل أحد رجال الإسعاف الوالد:هل أنت متأكد من أن طفلك مصاب؟؟
-نعم أما ترى حالة أمه وأخوته.
-إذن كيف شفي؟
امسك أبو أحمد ولد وقال له:يا بني ألم تكن تشتكي من ألم رجلك؟؟
-نعم يا أبي لكن أمــي دخلت عليّ وشافتني.
-يابني إن أمك كانت في المقعد الخلفي وأنت كنت وراءها فكيف دخلت عليك؟؟
ثم أن أبو أحمد شم رائحة عطرة تفوح من جسد أبنه فسأله:من أين لك هذه الرائحة العطرة يابني ؟
-إنها أمي احتضنتني طوال الطريق وكنت أشم منها رائحة عطرة للغاية.
حينها ضج المكان بالصلوات وتيقن الجميع أن الزهراء هي المرأة التي عالجت الطفل ،وانتشر الخبر سريعاً إلى الزوار فجاؤوا وفوداً
وتبعها وفود يقدمون التهاني والتبريكات للعائلة ،وعندما عادو للقطيف جاءتهم العوائل من كل حدب وصوب ليستمعوا إلى القصة التي ذاعت وانتشرت في جميع المناطق..
إن هذه القصة تدل على مدى ارتباط أهل هذه البلاد بالعترة الطاهرة ،وأن آل محمد لا ينسوا محبيهم في محنهم وأن الفرج قريب مهما طال الزمان
(منقول من كتاب حكايات من القطيف للكاتب زكي لطيف)
تحياتي أختكم
عــــــاشــ الجنةــــــــقة
-أهلاً بالابن أحمد.
-صباح الخير يا عمي .
-صباح النور ،لابد أن أباك يغط في نوم عميق .
-بالطبع لأنه هو الذي سوف يقود السيارة من عتبة الدار إلى بوابة مشهد الحسين (عليه السلام)،لذلك أرجو منك أن تقوم بالفحص اللازم للسيارة.
-لا تقلق يا بني في الساعة الحادية عشرة ستكون السيارة جاهزة.
أودع أحمد السيارة في الورشة وتوجه نحو السوق واشترى مجموعة من المستلزمات كانت والدته قد أوصته بها ،وقبل حلول الموعد بدقائق معدودة كان يقف على بوابة الورشة.
-هاك يا ولدي سيارتكم جاهزة تماماً للرحلة .
-هل أنت متأكد أن كل شي في السيارة على ما يرام؟.
- إن شاء الله ولكن إذا لم تدع لي عند الحسين ستتعطل.
-لا تقلق لن أنساك.
في الظهر كانت العائلة تستعد للرحيل ،دخل أبو أحمد على بناته فوجدهن يتأهبن للسفر ،سألهن أين أخوكم صادق؟
في الخارج لابد أنه يلهو بالكرة.
فتوجه إلى الحديقة فوجد ابنه صادق البالغ من العمر 4أعوام يحاول تسلق إحدى الأشجار،فحمله برفق وصادق يصرخ ويقول:
-دعني يا والدي أتسلق هذه الشجرة .
-ستسقط يا بني.
-صدقني أبي لن اسقط.
لكن أبا احمد لا يستجيب لطلب ابنه الصغير ويحمله لداخل البيت ويأمر أحمد بمراقبته،فصادق ولد شقي يحب اللعب كثيراً .
يتوافد الزوار والأهل والجيران والأقارب للتوديع وتقليد الدعاء والزيارة،في العصر ينطلق أبو أحمد بعائلته إلى العراق ،الطقس ما يزال معتدل الحرارة ،فموسم الرطوبة لم يأتي بعد .
بعد انقضاء 4ساعات محدودة وصلو إلى نقطة حدود الخفجي وبعد انتهائهم من إجراءات الخروج دخلوا إلى دولة الكويت ولم يمض وقت قليل حتى كانوا عند نقطة جمرك العراق ،وصلوها ويا لهول المفاجأة.عشرات السيارات والشاحنات ، والحافلات الصغيرة المتوسطة والكبيرة ...
-انظر يا أبي إن عددها كبير جداً .
-لن ننتهي إلا بعد فترة طويلة ،يبدو أننا سنبقى هنا طوال الليل على الأقل .
ثم أوقف السيارة ،واصطف مع الجموع لختم الجوازات بينما افترشت أم احمد الأرض وجلست مع بناتها ،أما صادق اخرج له الكرة وأخذ يلهو بها وكلما تعيده أمه ليجلس مع أخوته يعود مرة أخرى،فاضطرت لتركه وشأنه على أن يكون تحت ناظريها،أما أحمد فكان مع والده لمساعدته في إنهاء إجراءات الدخول .
مرة عدة ساعات فغلب على الأم والبنات النعاس .
فاغتنم صادق الفرصة ،وذهب بعيداً فوجد مجموعة من الأطفال فلهى معهم بالكرة ،بالقرب من ساحة لعبهم جلس أحد سائقي الحافلات المتوسطة الحجم ينتظر وصول الجوازات ،ويبدوا عليه التوتر فقد طال انتظاره ومضى على مكوثه في الجمرك أكثر من سبع ساعات ،واثناء ما كان الأطفال يلعبون رمى أحدهم الكرة بجانب الإطار الخلفي للحافلة ،أثناء ذلك استعد الركاب للانطلاق بعد وصول الجوازات ،صادق لم يستطع رؤية الكرة تحت إطار الحافلة فوضع رجله اليمنى في محاولة منه لأخراجها ، وما إن هم لالتقاطها حتى تحركت الحافلة وداست فوق رجله فصرخ صراخاً مدوياً وبكى بكاءً رهيباً لانظير له ، تنبه السائق فتوقف على الفور ،وتجمع الناس من كل حدب وصوب ،وجاء مسؤلو الأمن واعتقلو السائق،أما صادق فنقلوه إلى عيادة الجمرك.
في هذه الأثناء انتهى أبو أحمد من ختم الجوازات فطلب من ولده أحمد الذهاب لأخبار أمه وأخواته ،ذهب إليهم فوجدهن غارقات في النوم ، فأيقضهن وما أن استيقظت الأم حتى نادت على صادق ،سألها أحمد عنه ،فقال له إنه كان يلعب الكرة بالقرب من السيارة ،فراح يبحث عنه في الأماكن القريبة ،لاحقه أحد رجال الأمن ،سأله عن مقصده ،فأخبره فقال له :لابد انك الأخ الأكبر للطفل المصاب.
-ماذا تقصد؟؟
-قبل حوالي نصف ساعة وقع حادث لطفل في حوالي الخامسة من عمره.
-ما الذي حدث له
-كسرت ساقه من جراء تعرضها لإطار أحد الحافلات .
-يا إلهـــي وأين هو الآن؟؟
-انه في العيادة العامة.
-هل من الممكن أن تبقى هنا لدقائق ريثما اخبر والدي.
-بكل سرور على أن تستعجله.
توجه أحمد بسرعة إلى أهله واخبرهم فناحت الأم ،وبكت الأخوات ،بينما ذهب مع والده إلى رجل الأمن الذي استوقفه فرشده إلى موقع العيادة ،فدخلها على الفور ووجد ابنه يئن من شدة الألم ،شاهد الطفل أباه فناداه،أخذه الوالد في حضنه
-أبي...أبي.
-فداك أبوك يا بني لاتخف إصابتك بسيطة .
-ولكن رجلي تؤلمني يا أبي.
-لاتخف ستكون بخير.
ثم دخل الطبيب المعالج ،وأخبر أبا أحمد أن وضع أبنه خطير جداً وعليه الذهاب إلى أقرب مستشفى ،سأله أبو أحمد عن إمكانية علاجه في الجمرك،فـجابه أن العيادة إمكانياتها متواضعة وأن عليه الذهاب لمستشفى البصرة لأنه لأقرب مستشفى من الجمرك، فعزم على الذهاب من توه وساعته إلى البصرة ، وهم بالخروج واستوقفه الضابط المسئول .
-سيدي ماذا عن السائق الذي تسبب في إصابة ابنك؟
-اطرق أبو احمد برأسه قليلاً ثم قال :سأعفو عنه .
-حسناً فعلت يا سيدي،خاصةً وأن السائق من خلال التحقيق معه غير مسئؤل عما حدث فولدك وضع رجله خلف الحافلة ومن المتعذر عليه رؤيته.
طلب الوالد من ولده أحمد حمل صادق إلى السيارة ،ريثما يعود،ثم ذهب إلى مركز شرطة الجمرك ووقع بالتنازل عن السائق ،خرج السائق وهو يبكي ويدعو للولد بالشفاء،ركب أبو أحمد السيارة وأم أحمد تبكي وتئن فطلب منها الهدوء لكي يستطيع القيادة ،فقالت له:إن ولدي يذبل بسرعة ماذا أنت فاعل
-أني أوكلت أمره لمن جئنا لزيارتهم.
قاد أبو أحمد السيارة بأقصى سرعة ممكنة وولده يتمتم ويبكي بحرقة وألم ،والأخوات يبكين ،أما أحمد فأخرج كتاب أدعية كان قد أحضره معه وأخذ يقرأ بعض أدعية الشفاء ،وفجأة صاحت الأم بأعلى صوتها : لقـــــــد مـــات صــــــادق، لقـــــــد مـــات صــــــادق،أوقف أبو أحمد السيارة وتفحص ابنه ليجده بلا حراك ،يزداد بكاء وصراخ الأم وبناتها ،يبعده عنهن والدموع تنهمر من عينيه ،يطلب من ولده أحمد المساعدة،يغطي الطفل بأحد الخرق ويضعه في خلفية السيارة ويجعل ما بينه وبين أهله حجاب ،ثم يحتضن عائلته ويحاول تهدئتهم ،ثم يستمر في القيادة وهو يبكي وقد عزم على مواصلة المسير إلى كربلاء وعدم التوقف في البصرة.
أبو أحمد يقود السيارة بصمت مطبق وعيناه مغرورقتان بالدموع،الأم وبناتها لم يهدأ أنينهن ،أما أحمد فرغم المصاب فضل أن يقرأ بضع آيات من القرآن ،وبينما الطفل مسجى في الخلف بلا حراك وأهله يبكون فأذا به يفتح عينيه ويرى الباب يفتح وتدخل عليه امراءة متوشحة بالسواد وتفوح منها رائحة عطرة ،تضع كلتا يديها على رجليه فيسكن أنينه ولا يعد يحس بالألم ،ثم تمرر يديها الطاهرتين على سائر جسده وتحتضنه .
يسألها :هل أنت أمــــي؟
-نعم يابني أنا أمك هل تشعر بالألم؟.
-كلا يا أمي لقد شفيت تماماً.
وتبقى المرأة معه،؟أما العائلة فظلت على حالها من بكاء ونحيب وأبو أحمد يحاول تهدئتها.
-لم يبقى على كربلاء سوى كيلو مترات معدودة،أرجوكن اهدءوا.
ولكن لا استجابة ....فالبكاء متواصل يصلو أخيراً إلى كربلاء ،يسأل أبو أحمد عن أقرب مستشفى أخبروه عن مستشفى قريب من الحرم ،يتوجه أليه ويوقف سيارته بالقرب منه ويراجع قسم الإسعاف ،يهرع رجال الإسعاف إلى السيارة بأجهزتهم ،يفتح لهم أبو أحمد الباب ،تبكي الأم بشدة وكذلك بقية العائلة ،تحاول زوجته منعه من فتح الباب ،فيخرجها من السيارة ويطلب من أحمد الإمساك بها ،يعود للسيارة ويفتح الباب ف‘ذا بالطفل يخرج منها صحيحاً معافى ،لم يصدق أبو أحمد ما يراه ،وكذلك بقية الحاضرين ،الأم عندما رأت ذلك انتابتها حالة هستيرية ولكنها استطاعت السيطرة علها ذاتياً ،وسارعت إلى احتضان طفلها ،يسأل أحد رجال الإسعاف الوالد:هل أنت متأكد من أن طفلك مصاب؟؟
-نعم أما ترى حالة أمه وأخوته.
-إذن كيف شفي؟
امسك أبو أحمد ولد وقال له:يا بني ألم تكن تشتكي من ألم رجلك؟؟
-نعم يا أبي لكن أمــي دخلت عليّ وشافتني.
-يابني إن أمك كانت في المقعد الخلفي وأنت كنت وراءها فكيف دخلت عليك؟؟
ثم أن أبو أحمد شم رائحة عطرة تفوح من جسد أبنه فسأله:من أين لك هذه الرائحة العطرة يابني ؟
-إنها أمي احتضنتني طوال الطريق وكنت أشم منها رائحة عطرة للغاية.
حينها ضج المكان بالصلوات وتيقن الجميع أن الزهراء هي المرأة التي عالجت الطفل ،وانتشر الخبر سريعاً إلى الزوار فجاؤوا وفوداً
وتبعها وفود يقدمون التهاني والتبريكات للعائلة ،وعندما عادو للقطيف جاءتهم العوائل من كل حدب وصوب ليستمعوا إلى القصة التي ذاعت وانتشرت في جميع المناطق..
إن هذه القصة تدل على مدى ارتباط أهل هذه البلاد بالعترة الطاهرة ،وأن آل محمد لا ينسوا محبيهم في محنهم وأن الفرج قريب مهما طال الزمان
(منقول من كتاب حكايات من القطيف للكاتب زكي لطيف)
تحياتي أختكم
عــــــاشــ الجنةــــــــقة