Zidane
03-02-2004, 01:54 PM
http://www.qatifoasis.com/showimg.php?id=81
تمر الأيام وتمضي السنوات، وتتعاقب الأحداث وتتغير المفاهيم وتتبدل الطباع، وتفنى الدول وتندثر الحضارات وتبقى تجارب الأمم ما بقي التاريخ!.
وبقاءُ الأمم وخلود علمائها ومبدعيها مرهون ببقاء آثارهم وإبداعاتهم في شتىّ مجالات الحياة وما الآثار إلاّ مبادئ وتعاليم، أفكار وتجارب، فنون وآداب سُطِّرت بقلم كاتب أو شُيِّدت بيد مهندس بارع أو رُسِمت بريشة فنّان مبدع أو نُحِتت بيد نَحّات ماهر. وجميعها تدل على أصحابها ومستواهم الفكريّ، والحضاريّ، والفنّي، والعلميّ.
وما الأمثال إلا أثر من هذه الآثار، وجزء من تاريخ الإنسان وأبلغ ما يعبر عنه في جميع مجالات حياته، بل هي الحكمة المختزلة، وخلاصة التجربة الإنسانية، ومرآة تعكس النظرة إلى واقع الحياة، ومدى اختلاف وجهات النظر إلى هذا الواقع.
وإنها الصورة الصادقة لحال الشعوب والأمم، ففيها خلاصة الخبرات العميقة التي تمرست بها عبر السنوات الطويلة من حضاراتها، وهي الخلاصة المركزة لمعاناتها وشقائها وسعادتها وغضبها ورضاها، تحتضن بين حناياها وفي طياتها مختلف التغييرات التي تمثل حياة مجتمعاتها وتصورات أفرادها بأساليب متنوعة وطرق متعددة من السخرية اللاذعة إلى الحكمة الرادعة (1).
الأمثال تُزَوِّد الباحث في تاريخ الأمم وعادات الشعوب بصورة نابضة ومادّة حية غنية يستخلص منها مبادئ أصحاب هذه الأمثال وأفكارهم، ومعتقداتهم، وبيئتهم، وطبيعة معيشتهم، وعاداتهم، وتقاليدهم.
المثل: تعريفه
المِثْل والمَثَل: الشبه أو النظير.
والمثل جملة من القول مقتطعة من كلام، أو مرسلة بذاتها، تنقل ممن وردت فيه إلى مشابهه بدون تغيير(2) ؛ فألفاظ الأمثال لا تُغيَّر تذكيراً وتأنيثاً وإفراداً وتثنية وجمعاً بل ينظر فيها دائماً إلى مورد المثل أي أصله (3).
وقيل فيه: إنه عبارة موجزة أو حكمة متداولة بين الناس، أو كثيرة الذيوع من القديم تتضمن فكرة حكيمة أو ملاحظة عامة في مجال الحياة البشرية وتقلباتها، وغالبا ما تكون بأسلوب مجازي يستميل الخيال ويسهل حفظه (4).
وقيل فيه بأنه عبارات موجزة مأثورة يُشبِّه الناس بها جديد أحوالهم بقديمها (5).
وهناك من اعتبر الأمثال جوهر اللفظ في كل مكان وعلى كل لسان، وفضًّلها على الشعر والخطابة، وأنه لم يسر شيء مسيرها ولا عَمَّ عُمُومَهَا (6).
خصائصه الفنية
للمثل خصائص فنية يمتاز بها عن غيره من فنون الكلام، فالمثل يتميز بإيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية؛ فهو نهاية البلاغة (7).
والأمثال شعرية أو نثرية وإن كانت قائمة في الأصل على التشبيه بأنواعه، إلا إنها ربما اشتملت على المحسًّنات البديعية كالسجع والطباق. ومما لا يمكن تغافله هو وجود المبالغة في الأمثال العربية، بل تكاد تكون سمة بارزة لها، ومنها ما يتم التعبير عنه باستخدام صيغة أفعل التفضيل (8).
ومن أهم خصائص المثل عدم تغيره مهما اختلفت الأحوال التي يضرب فيها، بل يجب إيراده كما روي على حاله وبلفظه، دون تغيير في الصيغة من علامات التأنيث، أو التثنية والجمع أو غيرها، كما ذكرنا سابقا.
استخدامه
المثل تراث عام يستخدمه العامَّة والخاصَّة فمن جانب نرى كثيراً من العلماء والأدباء والكتاب والمثقفين يزينون به كتبهم ورسائلهم وخطبهم وأحاديثهم ويضمنه الشعراء في قصائدهم؛ نجد في الجانب الآخر الأمّي يزين به حديثه ويستشهد به في مواقف مماثلة.
قال الفارابي "المثل ما ترضاه العامَّة والخاصَّة في لفظه ومعناه حتى ابتذلوه فيما بينهم وفاهوا به في السرَّاء والضرَّاء واستدرَّوا به الممتنع من الدر ووصلوا به إلى المطالب القصيَّة وتفرَّجوا به عن الكرب والمكربة فهو من أبلغ الحكمة (9) "
وقال أبو هلال العسكري: "ما رأيت حاجة الشريف إلى شيء من أدب اللسان بعد سلامته من اللحن، كحاجته إلى الشاهد والمثل والشذرة والحكمة السائرة، فإن ذلك يزيد المنطق تفخيما ويكسبه قبولا، ويجعل له قدرا في النفوس، وحلاوة في الصدور، ويدعو القلوب إلى وعيه، و يبعثها إلى حفظه، ويأخذها باستعداد لأوقات المذاكرة، والاستظهار به أوان المجادلة" (10).
أهدافه
لضرب الأمثال أهداف متعددة جمالية وبلاغية وتربوية، ففيها إيضاح المنطق، وتأنيق الحديث، وتشعيب الحديث، وتقويم الأخلاق، إيقاظ الضمائر، وتوعية العقول، وهي تستخدم للمدح والذم والعظة والعبرة والتحذير والتذكير والافتخار والاعتذار والطرفة والنكتة، وغير ذلك. وللتفصيل في ذلك بالشواهد مكان آخر.
نشأته وتطوره
وان كان لا يعرف على وجه التحديد متى قيل أول مثل، ومن صاحبه، إلا أن المثل العربي مر بعدة منعطفات كان لها أثر على أسلوب صياغته، وألفاظه، وتراكيبه، وحتى معانيه، وذلك بحكم تطور المفاهيم، والتغيرات التي طرأت على اللغة بحكم الاحتكاك بالشعوب الأخرى لا سيما بعد الفتوح الإسلامية، ومن الممكن إجمال العصور التي مر بها المثل بنفس العصور التي مر بها الأدب العربي، فما المثل إلا جزء منه، وهي كما يلي:
1- عصر ما قبل الإسلام.
2-عصر صدر الإسلام.
3- عصر المولَّدين: وهي المرحلة التي انفتح فيها العرب على الحضارات الأخرى واختلطوا بشعوبها وانتقلت إليهم عوامل المدنية ووسائلها فكان لابد من دخول كلمات ومصطلحات جديدة على اللغة لم تكن من كلام العرب فيما مضى، وقد أفرد بعض جامعي الأمثال أبوابا خاصة لأمثال المولدين كالميداني، وتلميذه.
4- العصور الأدبية المتعاقبة وصولا إلى العصر الحديث.
تدوينه
تناقل العرب الأمثال عن طريق الرواية ثم اعتنى الأدباء والعلماء القدماء والمحدثين بجمعها، وتدوينها، وتصنيفها، وترتيبها، وشرحها، وبيان الأخبار المتعلقة بصدورها واختلفوا في ذلك في أسلوب ترتيبهم وطريقة عرضهم ومحتويات كتبهم، ومنهم الضبي، وابن سلام، والميداني، والخويّي (تلميذ الميداني)، وغيرهم.
مصادره
1- القرآن الكريم وأمثاله أعلى الأمثال وأشرفها.
2- السنة النبوية المطهرة.
3- أقوال الخواصّ كأقوال العلماء والحكماء والمفكرين والأدباء والشعراء. وهي خلاصة فكرهم أو نتيجة تجاربهم ومواقفهم حيال قضايا الحياة.
4- القصص والنوادر والأساطير التي تجري على لسان الإنسان أو غيره من الأحياء والجمادات.
5- الأقوال التي تجري على ألسنة أفراد الشعب وبلهجات مختلفة ويطلق عليها الأمثال العامية أو الأمثال الشعبية أو الأمثال الدارجة.
مكانته
اعتنى العرب في الجاهلية بالأمثال عناية خاصَّة واحتلّت مكانة مرموقة في أدبهم واشتهر عدد من رجالهم بالحكمة وضرب الأمثال، ومن رجال العرب المشهورين بذلك قُسُّ بن ساعدة الأيادي ومن أقواله: (11)
في الذاهبين الأوَّلين * من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداً * للناس ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها * تمضي الأكابر والأصاغر
لا يرجع الماضي إلينا ولا * من الباقين غابر
أيقنت أني لا محالة * حيث صار القوم صائر
ومنهم أكثم بن صيفي ومن أقواله (من مأمنه يؤتى الحذر) و (من لم يعتبر فقد خسر) و (المزاح يورِّث الضغائن) و (من فسدت بطانته كان كمن غصَّ بالماء).
وقد افتخر العرب بضربهم للأمثال كالنعمان بن المنذر في مناظرته مع كسرى أنوشروان (...أما أمتك أيها الملك: فليست تنازع في الفضل لموضعها الذي هي به من عقولها وأحلامها وبسطة محلها، وبحبوحة عزها، وما أكرمها الله به من ولاية آبائك وولايتك وأمّا الأمم التي ذكرت فأية أُمَّة تقرنها بالعرب إلاّ فضَّلتها.قال كسرى: بماذا؟ قال النعمان: بعزها ومنعتها، وحسن وجوهها وبأسها وسخائها وحكمة ألسنتها....وأما حكمة ألسنتهم، فإن الله تعالى أعطاهم في أشعارهم، ورونق كلامهم وحسنه ووزنه وقوافيه، مع معرفتهم بالأشياء وضربهم الأمثال وإبلاغهم في الصفات ما ليس لشيء من السنة الأجناس...) (12).
ولما جاء الإسلام لم يهملها بل اتخذها القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وسيلة للتذكير والعظة والعبرة قال تعالى: ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ﴾ (13)، وقال تعالى: ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ﴾ (14).
وهنا يلزمنا أن نفرق بين ما ورد في القرآن بعنوان المثل أو المثال، وبين ما أصبح قولا سائرا ومثلا يتمثل به على الألسن، فالأول: كقوله تعالى: ﴿ ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة ... قرار (15) ﴾، وقوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ...والمطلوب (16) ﴾، وكقول الرسول : (مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى).
أما الثاني، فكقوله تعالى: ﴿ وإن عدتم عدنا ﴾، و﴿ الآن حصحص الحق ﴾، و﴿ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ﴾، و﴿ ما على الرسول إلا البلاغ ﴾، و﴿ ما على المحسنين من سبيل ﴾، و﴿ ولا ينبئك مثل خبير ﴾، و﴿ هيهات هيهات لما توعدون ﴾، و﴿ كل حزب بما لديهم فرحون ﴾، و﴿ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ﴾، و﴿ الخبيثات للخبيثين ﴾ (17)، وغيرها كثير (18).
وكقوله : (إن من البيان لسحرا)، و(حبك الشيء يعمي ويصم)، و (اليد العليا خير من اليد السفلى) (19)، وغيرها.
المثل العامي
المثل العامي لا يختلف في جوهره وأصل تعريفه عن المثل الفصيح، اللهم إلا في استخدام اللهجة الدارجة في صياغة المثل وعدم التقيد بقواعد العربية، ولذا فإنه يمكن تعريفه بأنه كل مثل يجري على ألسنة العامة مهما كان مصدره (20).
إطار البحث
الأمثال العامية كثيرة يصعب حصرها في بحث قصير كهذا الذي بين أيدينا، لا سيما وقد جمعت في بحث مطول ما يقرب من خمسة آلاف مثل من الأمثال المتداولة في المنطقة، ولذا فقد اقتصرت هاهنا على مجموعة منها لأسلط عليها الضوء في هذا البحث، وذلك ضمن الإطار التالي:
1- إيراد الأمثال وضبطها بالحركات كما ينطقها أصحابها وذلك بهدف المحافظة على أصل المثل وعلى مفردات وخصائص اللهجة (21).
2- الإشارة إلى الروايات المتعددة للمثل إن وجدت.
3- ترتيب الأمثال تبعاً للحروف مع الأخذ بعين الاعتبار إرجاع الحرف الأول من الكلمة الأولى لكل مثل إلى أصله العربي فمثلاً كلمة (فوب) في المثل (فوب العيره ما يغني) يوضع هذا المثل في حرف الثاء لا في حرف الفاء، لأن أصل الفاء هنا ثاء (ثوب).
4- بيان مفردات كل مثل وإيضاح المعنى المراد منه إذا لزم البيان والتوضيح مع الاستشهاد ببعض الآيات القرآنية أو الأقوال المأثورة أو الأشعار.
5- بيان المناسبة التي يستشهد بالمثل فيها.
6- ذكر أصل المثل إذا كان له أصل يعرف.
وبما أنه توجد أمثال كثيرة فيها حرف القاف والذي ينطق في المنطقة كالجيم المصرية، فمن المناسب هنا أن نبين بأننا استخدمنا الشكل التالي (گ) للتعبير عنها، بينما كتب حرف الكاف الشبيه في نطقه بالجيم في المنطقة هكذا (چ).
تمر الأيام وتمضي السنوات، وتتعاقب الأحداث وتتغير المفاهيم وتتبدل الطباع، وتفنى الدول وتندثر الحضارات وتبقى تجارب الأمم ما بقي التاريخ!.
وبقاءُ الأمم وخلود علمائها ومبدعيها مرهون ببقاء آثارهم وإبداعاتهم في شتىّ مجالات الحياة وما الآثار إلاّ مبادئ وتعاليم، أفكار وتجارب، فنون وآداب سُطِّرت بقلم كاتب أو شُيِّدت بيد مهندس بارع أو رُسِمت بريشة فنّان مبدع أو نُحِتت بيد نَحّات ماهر. وجميعها تدل على أصحابها ومستواهم الفكريّ، والحضاريّ، والفنّي، والعلميّ.
وما الأمثال إلا أثر من هذه الآثار، وجزء من تاريخ الإنسان وأبلغ ما يعبر عنه في جميع مجالات حياته، بل هي الحكمة المختزلة، وخلاصة التجربة الإنسانية، ومرآة تعكس النظرة إلى واقع الحياة، ومدى اختلاف وجهات النظر إلى هذا الواقع.
وإنها الصورة الصادقة لحال الشعوب والأمم، ففيها خلاصة الخبرات العميقة التي تمرست بها عبر السنوات الطويلة من حضاراتها، وهي الخلاصة المركزة لمعاناتها وشقائها وسعادتها وغضبها ورضاها، تحتضن بين حناياها وفي طياتها مختلف التغييرات التي تمثل حياة مجتمعاتها وتصورات أفرادها بأساليب متنوعة وطرق متعددة من السخرية اللاذعة إلى الحكمة الرادعة (1).
الأمثال تُزَوِّد الباحث في تاريخ الأمم وعادات الشعوب بصورة نابضة ومادّة حية غنية يستخلص منها مبادئ أصحاب هذه الأمثال وأفكارهم، ومعتقداتهم، وبيئتهم، وطبيعة معيشتهم، وعاداتهم، وتقاليدهم.
المثل: تعريفه
المِثْل والمَثَل: الشبه أو النظير.
والمثل جملة من القول مقتطعة من كلام، أو مرسلة بذاتها، تنقل ممن وردت فيه إلى مشابهه بدون تغيير(2) ؛ فألفاظ الأمثال لا تُغيَّر تذكيراً وتأنيثاً وإفراداً وتثنية وجمعاً بل ينظر فيها دائماً إلى مورد المثل أي أصله (3).
وقيل فيه: إنه عبارة موجزة أو حكمة متداولة بين الناس، أو كثيرة الذيوع من القديم تتضمن فكرة حكيمة أو ملاحظة عامة في مجال الحياة البشرية وتقلباتها، وغالبا ما تكون بأسلوب مجازي يستميل الخيال ويسهل حفظه (4).
وقيل فيه بأنه عبارات موجزة مأثورة يُشبِّه الناس بها جديد أحوالهم بقديمها (5).
وهناك من اعتبر الأمثال جوهر اللفظ في كل مكان وعلى كل لسان، وفضًّلها على الشعر والخطابة، وأنه لم يسر شيء مسيرها ولا عَمَّ عُمُومَهَا (6).
خصائصه الفنية
للمثل خصائص فنية يمتاز بها عن غيره من فنون الكلام، فالمثل يتميز بإيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية؛ فهو نهاية البلاغة (7).
والأمثال شعرية أو نثرية وإن كانت قائمة في الأصل على التشبيه بأنواعه، إلا إنها ربما اشتملت على المحسًّنات البديعية كالسجع والطباق. ومما لا يمكن تغافله هو وجود المبالغة في الأمثال العربية، بل تكاد تكون سمة بارزة لها، ومنها ما يتم التعبير عنه باستخدام صيغة أفعل التفضيل (8).
ومن أهم خصائص المثل عدم تغيره مهما اختلفت الأحوال التي يضرب فيها، بل يجب إيراده كما روي على حاله وبلفظه، دون تغيير في الصيغة من علامات التأنيث، أو التثنية والجمع أو غيرها، كما ذكرنا سابقا.
استخدامه
المثل تراث عام يستخدمه العامَّة والخاصَّة فمن جانب نرى كثيراً من العلماء والأدباء والكتاب والمثقفين يزينون به كتبهم ورسائلهم وخطبهم وأحاديثهم ويضمنه الشعراء في قصائدهم؛ نجد في الجانب الآخر الأمّي يزين به حديثه ويستشهد به في مواقف مماثلة.
قال الفارابي "المثل ما ترضاه العامَّة والخاصَّة في لفظه ومعناه حتى ابتذلوه فيما بينهم وفاهوا به في السرَّاء والضرَّاء واستدرَّوا به الممتنع من الدر ووصلوا به إلى المطالب القصيَّة وتفرَّجوا به عن الكرب والمكربة فهو من أبلغ الحكمة (9) "
وقال أبو هلال العسكري: "ما رأيت حاجة الشريف إلى شيء من أدب اللسان بعد سلامته من اللحن، كحاجته إلى الشاهد والمثل والشذرة والحكمة السائرة، فإن ذلك يزيد المنطق تفخيما ويكسبه قبولا، ويجعل له قدرا في النفوس، وحلاوة في الصدور، ويدعو القلوب إلى وعيه، و يبعثها إلى حفظه، ويأخذها باستعداد لأوقات المذاكرة، والاستظهار به أوان المجادلة" (10).
أهدافه
لضرب الأمثال أهداف متعددة جمالية وبلاغية وتربوية، ففيها إيضاح المنطق، وتأنيق الحديث، وتشعيب الحديث، وتقويم الأخلاق، إيقاظ الضمائر، وتوعية العقول، وهي تستخدم للمدح والذم والعظة والعبرة والتحذير والتذكير والافتخار والاعتذار والطرفة والنكتة، وغير ذلك. وللتفصيل في ذلك بالشواهد مكان آخر.
نشأته وتطوره
وان كان لا يعرف على وجه التحديد متى قيل أول مثل، ومن صاحبه، إلا أن المثل العربي مر بعدة منعطفات كان لها أثر على أسلوب صياغته، وألفاظه، وتراكيبه، وحتى معانيه، وذلك بحكم تطور المفاهيم، والتغيرات التي طرأت على اللغة بحكم الاحتكاك بالشعوب الأخرى لا سيما بعد الفتوح الإسلامية، ومن الممكن إجمال العصور التي مر بها المثل بنفس العصور التي مر بها الأدب العربي، فما المثل إلا جزء منه، وهي كما يلي:
1- عصر ما قبل الإسلام.
2-عصر صدر الإسلام.
3- عصر المولَّدين: وهي المرحلة التي انفتح فيها العرب على الحضارات الأخرى واختلطوا بشعوبها وانتقلت إليهم عوامل المدنية ووسائلها فكان لابد من دخول كلمات ومصطلحات جديدة على اللغة لم تكن من كلام العرب فيما مضى، وقد أفرد بعض جامعي الأمثال أبوابا خاصة لأمثال المولدين كالميداني، وتلميذه.
4- العصور الأدبية المتعاقبة وصولا إلى العصر الحديث.
تدوينه
تناقل العرب الأمثال عن طريق الرواية ثم اعتنى الأدباء والعلماء القدماء والمحدثين بجمعها، وتدوينها، وتصنيفها، وترتيبها، وشرحها، وبيان الأخبار المتعلقة بصدورها واختلفوا في ذلك في أسلوب ترتيبهم وطريقة عرضهم ومحتويات كتبهم، ومنهم الضبي، وابن سلام، والميداني، والخويّي (تلميذ الميداني)، وغيرهم.
مصادره
1- القرآن الكريم وأمثاله أعلى الأمثال وأشرفها.
2- السنة النبوية المطهرة.
3- أقوال الخواصّ كأقوال العلماء والحكماء والمفكرين والأدباء والشعراء. وهي خلاصة فكرهم أو نتيجة تجاربهم ومواقفهم حيال قضايا الحياة.
4- القصص والنوادر والأساطير التي تجري على لسان الإنسان أو غيره من الأحياء والجمادات.
5- الأقوال التي تجري على ألسنة أفراد الشعب وبلهجات مختلفة ويطلق عليها الأمثال العامية أو الأمثال الشعبية أو الأمثال الدارجة.
مكانته
اعتنى العرب في الجاهلية بالأمثال عناية خاصَّة واحتلّت مكانة مرموقة في أدبهم واشتهر عدد من رجالهم بالحكمة وضرب الأمثال، ومن رجال العرب المشهورين بذلك قُسُّ بن ساعدة الأيادي ومن أقواله: (11)
في الذاهبين الأوَّلين * من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداً * للناس ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها * تمضي الأكابر والأصاغر
لا يرجع الماضي إلينا ولا * من الباقين غابر
أيقنت أني لا محالة * حيث صار القوم صائر
ومنهم أكثم بن صيفي ومن أقواله (من مأمنه يؤتى الحذر) و (من لم يعتبر فقد خسر) و (المزاح يورِّث الضغائن) و (من فسدت بطانته كان كمن غصَّ بالماء).
وقد افتخر العرب بضربهم للأمثال كالنعمان بن المنذر في مناظرته مع كسرى أنوشروان (...أما أمتك أيها الملك: فليست تنازع في الفضل لموضعها الذي هي به من عقولها وأحلامها وبسطة محلها، وبحبوحة عزها، وما أكرمها الله به من ولاية آبائك وولايتك وأمّا الأمم التي ذكرت فأية أُمَّة تقرنها بالعرب إلاّ فضَّلتها.قال كسرى: بماذا؟ قال النعمان: بعزها ومنعتها، وحسن وجوهها وبأسها وسخائها وحكمة ألسنتها....وأما حكمة ألسنتهم، فإن الله تعالى أعطاهم في أشعارهم، ورونق كلامهم وحسنه ووزنه وقوافيه، مع معرفتهم بالأشياء وضربهم الأمثال وإبلاغهم في الصفات ما ليس لشيء من السنة الأجناس...) (12).
ولما جاء الإسلام لم يهملها بل اتخذها القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وسيلة للتذكير والعظة والعبرة قال تعالى: ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ﴾ (13)، وقال تعالى: ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ﴾ (14).
وهنا يلزمنا أن نفرق بين ما ورد في القرآن بعنوان المثل أو المثال، وبين ما أصبح قولا سائرا ومثلا يتمثل به على الألسن، فالأول: كقوله تعالى: ﴿ ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة ... قرار (15) ﴾، وقوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ...والمطلوب (16) ﴾، وكقول الرسول : (مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى).
أما الثاني، فكقوله تعالى: ﴿ وإن عدتم عدنا ﴾، و﴿ الآن حصحص الحق ﴾، و﴿ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ﴾، و﴿ ما على الرسول إلا البلاغ ﴾، و﴿ ما على المحسنين من سبيل ﴾، و﴿ ولا ينبئك مثل خبير ﴾، و﴿ هيهات هيهات لما توعدون ﴾، و﴿ كل حزب بما لديهم فرحون ﴾، و﴿ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ﴾، و﴿ الخبيثات للخبيثين ﴾ (17)، وغيرها كثير (18).
وكقوله : (إن من البيان لسحرا)، و(حبك الشيء يعمي ويصم)، و (اليد العليا خير من اليد السفلى) (19)، وغيرها.
المثل العامي
المثل العامي لا يختلف في جوهره وأصل تعريفه عن المثل الفصيح، اللهم إلا في استخدام اللهجة الدارجة في صياغة المثل وعدم التقيد بقواعد العربية، ولذا فإنه يمكن تعريفه بأنه كل مثل يجري على ألسنة العامة مهما كان مصدره (20).
إطار البحث
الأمثال العامية كثيرة يصعب حصرها في بحث قصير كهذا الذي بين أيدينا، لا سيما وقد جمعت في بحث مطول ما يقرب من خمسة آلاف مثل من الأمثال المتداولة في المنطقة، ولذا فقد اقتصرت هاهنا على مجموعة منها لأسلط عليها الضوء في هذا البحث، وذلك ضمن الإطار التالي:
1- إيراد الأمثال وضبطها بالحركات كما ينطقها أصحابها وذلك بهدف المحافظة على أصل المثل وعلى مفردات وخصائص اللهجة (21).
2- الإشارة إلى الروايات المتعددة للمثل إن وجدت.
3- ترتيب الأمثال تبعاً للحروف مع الأخذ بعين الاعتبار إرجاع الحرف الأول من الكلمة الأولى لكل مثل إلى أصله العربي فمثلاً كلمة (فوب) في المثل (فوب العيره ما يغني) يوضع هذا المثل في حرف الثاء لا في حرف الفاء، لأن أصل الفاء هنا ثاء (ثوب).
4- بيان مفردات كل مثل وإيضاح المعنى المراد منه إذا لزم البيان والتوضيح مع الاستشهاد ببعض الآيات القرآنية أو الأقوال المأثورة أو الأشعار.
5- بيان المناسبة التي يستشهد بالمثل فيها.
6- ذكر أصل المثل إذا كان له أصل يعرف.
وبما أنه توجد أمثال كثيرة فيها حرف القاف والذي ينطق في المنطقة كالجيم المصرية، فمن المناسب هنا أن نبين بأننا استخدمنا الشكل التالي (گ) للتعبير عنها، بينما كتب حرف الكاف الشبيه في نطقه بالجيم في المنطقة هكذا (چ).